صديق الحسيني القنوجي البخاري
68
فتح البيان في مقاصد القرآن
إلى أبي حتى يمنحكم ويعطيكم الفارقليط حتى يكون معكم إلى الأبد والفارقليط هو روح الحق اليقين : هذا لفظ الإنجيل المنقول إلى العربي . وذكر في الإصحاح الخامس عشر هذا اللفظ : وأما الفارقليط روح القدس يرسله أبي باسمي ويعلمكم ويمنحكم جميع الأشياء ، وهو يذكركم ما قلت لكم ، ثم ذكر بعد ذلك بقليل ، وإني قد أخبرتكم بهذا قبل أن يكون حتى إذا كان ذلك تؤمنون ، وذكر في الإصحاح السادس عشر هكذا : ولكن أقول لكم الآن حقا يقينا انطلاقي عنكم خير لكم ، فإن لم أنطلق عنكم إلى أبي لم يأتكم الفارقليط وإن انطلقت أرسلته إليكم ، فإذا جاء هو يفيد أهل العالم ، ويدنيهم ويمنحهم ، ويوقفهم على الخطبة والبر والدين ، وذكر بعد ذلك بقليل هكذا فإن لي كلاما كثيرا أريد أن أقوله لكم ولكن لا تقدرون على قبوله والاحتفاظ له ، ولكن إذا جاء روح الحق إليكم يلهمكم ويؤيدكم بجميع الحق ، لأنه ليس يتكلم بدعة من تلقاء نفسه ، هذا ما في الإنجيل انتهى كلام الرازي . وفي الزبور المائة والتاسع والأربعين : سبحوا الرب تسبيحا جديدا سبحوه في مجمع الأبرار ، فليفرح إسرائيل بخالقه ، وبنو صهيون يبتهجون بملكهم ، فليسبحوا اسمه بالمصياف بالطبل والمزمار ، يرتلوا له لأن الرب يسر بشعبه ويشرف المتواضعين ، بالخلاص تفتخر الأبرار بالمجد ، ويبتهجون على مضاجعهم ترفيع اللّه في حلوقهم ، وسيوف ذات فمين في أياديهم ، ليضعوا انتقاما في الأمم وتوبيخات في الشعوب ، ليقيدوا ملوكهم بالقيود وأشرافهم بالأغلال من حديد ، ليضعوا بهم حكما مكتوبا ، هذا المجد يكون لجميع الأبرار اه . وهذا الزبور عبر عن المبشر به بالملك ، وعن مطيعيه بالأبرار ، وصدق جميع هذه الصفات على محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وأصحابه رضي اللّه عنهم ، ولا ينكر ذلك إلا من عمى اللّه عين بصيرته وخذله عن سبيل هدايته ، ومنها ما في إنجيل يوحنا وترجمته بالعربية : إن كنتم تحبوني فحافظوا على كلامي وأنا ألتمس الآب فيرسل إليكم فارقليطاء آخر ليمكث معكم إلى أبد الآبدين انتهى ، وهذا من أعظم الدلائل الدالة على نبوته صلى اللّه عليه وسلم ، وقد أعرض عنه النصارى إعراضا كليا . والفارقليطاء ، عجمية يونانية معناه الشافع والواسطة والمسلي والممجد وهذه المعاني تدل على الممدوح ، بعضها بالمطابقة وبعضها بالتضمن وبعضها بالالتزام فإن التمجيد مرادف للحمد ، والثلاثة الأخر مما توجب الحمد . فهذا هو معنى قوله سبحانه وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ الصف : 6 ] ، والدليل على ذلك وصفه بالمكث إلى الأبد والدوام ، فإنه لم يأت بعد عيسى عليه السلام أحد يتصف بهذه الصفة غيره ، وفي التنكير دلالة على أن هذا الفارقليطاء ، الذي هو الآن معكم أي المسيح زمني ولا يبقى إلى الأبد والذي يأتي بعده أبدي .